العودة للمحتوى
مقالات ومعلومات عقارية
انخفاض الأسعار والندرة
فلسفة السوق العقاري الكويتي تكاد أن تكون مختلفة عن كثير من أسواق المنطقة وهذه ليست مجرد عبارة إنشائية بل واقع يتكرر عبر سنوات طويلة ويؤكده سلوك السوق في مختلف دوراته الاقتصادية حيث يتميز هذا السوق بصلابة واضحة رغم التغيرات الاقتصادية المتعاقبة وهذه الصلابة مصدرها الأساسي هو وجود معادلة شبه ثابتة تتمثل في ندرة العرض مقابل زيادة الطلب وهي معادلة صنعت للسوق طابعاً خاصاً يصعب مقارنته بشكل مباشر مع أسواق أخرى.
بطبيعة الحال يتأثر السوق العقاري الكويتي بالعوامل الاقتصادية المختلفة مثل أسعار النفط ومستويات السيولة وسعر الفائدة وكذلك القوانين والتشريعات التي تنظم السوق وهذه العوامل تنعكس على حركة الأسعار سواء بالارتفاع أو الانخفاض أو حتى الركود كما تنعكس أيضاً على مؤشرات أخرى مثل عدد الصفقات والقيمة التداولية حيث نشهد في بعض الفترات نشاطاً ملحوظاً وفي فترات أخرى تباطؤاً أو تراجعاً إلا أن هذه التغيرات لا تلغي الخصوصية الأساسية للسوق.
خلال السنوات الثلاث الماضية شهد السوق العقاري الكويتي انخفاضات في مجمل المناطق نتيجة عوامل اقتصادية وضغوط تنظيمية وهذا أمر طبيعي في أي سوق إلا أن ما يميز الحالة الكويتية هو أن هذا الانخفاض لم يتحول إلى وفرة في الفرص كما قد يتوقع البعض بل على العكس ظهرت حالة موازية وهي انخفاض المعروض بشكل واضح وهذه الظاهرة ليست جديدة بل تتكرر تاريخياً في كل مرة يدخل فيها السوق مرحلة تصحيح .
السبب في ذلك يعود بشكل رئيسي إلى سلوك الملاك والمستثمرين حيث أن الكثير ممن اشتروا العقار في فترات ارتفاع الأسعار لا يرغبون في البيع بأسعار أقل من تكلفة الشراء أو بأسعار يرونها غير عادلة وبالتالي يتخذون قراراً بسحب عروضهم من السوق وهذا القرار عندما يتكرر من عدد كبير من الملاك يؤدي إلى تقلص المعروض بشكل ملموس ويخلق حالة من الندرة حتى في ظل انخفاض الأسعار .
عند النظر إلى بعض المناطق السكنية المميزة مثل عبد الله السالم والشويخ السكنية والنزهة نجد أن الباحث عن عقار يواجه صعوبة حقيقية في إيجاد خيارات مناسبة رغم أن المؤشرات العامة تشير إلى انخفاض الأسعار وهذا يعني أن السعر وحده لا يعكس واقع السوق بشكل كامل بل يجب النظر إلى حجم المعروض وجودته وتنوعه .
هذه الظاهرة لا تقتصر على المناطق القليل العرض فيها فقط بل تمتد أيضاً إلى مناطق كانت في السابق تشهد نشاطاً كبيراً مثل الفنيطيس وبوفطيرة والمسايل وحتى مدينة صباح الأحمد البحرية حيث انخفض عدد العروض مقارنة بفترات الانتعاش وهذا يعكس استمرار نفس السلوك من قبل الملاك الذين يفضلون الانتظار على البيع في سوق يرونه غير مناسب
وهنا تظهر المفارقة الأساسية في السوق العقاري الكويتي حيث أن انخفاض الأسعار لا يعني بالضرورة سهولة الحصول على العقار المناسب فالمشتري قد يرى انخفاضاً في المؤشرات العامة لكنه لا يجد العرض الذي يلبي احتياجه بالموقع والمواصفات المطلوبة وهذا يخلق فجوة بين السعر النظري والسعر الفعلي الذي يمكن إتمام الصفقة عليه .
نتيجة لهذه الندرة تبدأ بعض الحالات الفردية في كسر الاتجاه العام للسوق حيث يتم عرض عقارات بأسعار أعلى من المتوسط العام بسبب قلة الخيارات أو تميز الموقع وفي بعض الأحيان يستجيب السوق لهذه الأسعار خصوصاً إذا كان الطلب حقيقياً ومركزاً وهذا ما نلاحظه في بعض الصفقات التي تتم بأسعار تفوق التوقعات رغم حالة الركود العامة .
مع تكرار هذه الحالات تبدأ بعض المناطق في الدخول في مرحلة تصحيح جزئي حيث تستقر الأسعار أو ترتفع بشكل نسبي رغم استمرار الضغوط الاقتصادية العامة وهذا يعكس طبيعة السوق الكويتي الذي لا يتحرك ككتلة واحدة بل يتجزأ إلى أسواق فرعية لكل منها ديناميكيته الخاصة حسب العرض والطلب .
في النهاية لا يمكن قراءة انخفاض الأسعار في السوق العقاري الكويتي بمعزل عن عامل الندرة فهذه الندرة هي التي تعيد تشكيل السوق في كل مرحلة وتجعل من الصعب تعميم فكرة أن الانخفاض يعني فرصة متاحة للجميع بل إن الواقع يثبت أن الفرص الحقيقية تظهر بشكل محدود وفي نطاقات معينة ولمن يمتلك القدرة على التحليل الدقيق وفهم حركة السوق لذلك يبقى هذا السوق محكوماً بمعادلة دقيقة بين قلة العرض واستمرارية الطلب وهي المعادلة التي تفسر الكثير من سلوكياته وتحدد اتجاهاته المستقبلية .